الياس شوفاني
231
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
وبعد دخول التتر إلى بغداد ، رحل الكثيرون من رجال العلم في بغداد إلى القدس ، وأقاموا فيها ، فاستوعبتهم المؤسسات ، وتبعهم طلاب العلم . وإضافة إلى هذه المؤسسات ، اعتنى المماليك بتزيين المدينة - مداخلها ومساجدها وقبابها وعماراتها وسبل الماء فيها وأسواقها . . . إلخ . ومعظم أروقة الحرم القدسي الشريف بنيت في أيام المماليك . كذلك ، وإضافة إلى المدرستين المعروفتين - الصلاحية والمعظمية ( اللتين بناهما صلاح الدين والمعظم الأيوبيان ) ، أقام المماليك عددا كبيرا من المدارس ، منها : الدوادارية والوجيهية والسلامية والكريمية والتنكزية والأمينية والملكية والفارسية والخاثونية والباسطية والحسنية والعثمانية والجوهرية والأشرفية والجاولية . ومن الزوايا الصوفية ، بنى المماليك الخانقاه الفخرية وزاوية المغاربة والزاوية البسطامية والرباط المنصوري ورباط علاء الدين البصير . ويذكر أن المماليك اهتموا بالمشايخ الصوفية ، وعرف منهم الشيخان - المجنون والياس - منذ أيام بيبرس ، وبرز بعدهما كثيرون . وخان السلطان وسبيل قايتباي ، من المعالم الجميلة . وفي القدس عدد من الحمامات ، يعود بناؤه إلى أيام المماليك ، وكذلك البيمارستانات والأسواق والفنادق . . . إلخ . لقد وصل المماليك إلى السلطة كطبقة عسكرية ، وبصعوبة اكتسبوا شرعية الحكم من خلال التصدي للفرنجة ، من جهة ، وللمغول ، من جهة أخرى ، وحققوا نجاحات كبيرة على الصعيدين . وعندما انحسر الغزو المغولي ، وتراجع الخطر الفرنجي ، ظل المماليك في السلطة ، وأوغلوا في تنظيمهم العسكري ، ولكن من دون مشروع قتالي يبرر ذلك . وإذ استطاعوا بصورة عامة أن يقمعوا كل تحرك شعبي ضدهم ، فإنه في غياب المعايير العسكرية ، وبالتالي الأحقية في الوصول إلى الموقع الأول ، دبّ الخلاف في صفوفهم ، واستشرت الصراعات بين الطامعين بالسلطة من قادتهم . فبعد السلاطين الكبار الأوائل ، الذين تميّزوا بقدراتهم العسكرية والتنظيمية - قطز وبيبرس وقلاوون والأشرف خليل بن قلاوون والناصر محمد بن قلاوون - توالت سلسلة طويلة من سلالة قلاوون على السلطنة ، لم يتميّز أفرادها بكفاءات ملحوظة ، وبدأت دولتهم في الهبوط . ففي أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون ، الذي اعتلى العرش ثلاث مرات ، إذ خلعه الأمراء مرتين ، وحكم فترة أطول من أي مملوك آخر ( 1293 - 1294 و 1298 - 1308 و 1309 - 1340 م ) ، ألحق المغول ( الإيلخانيون ) هزيمة بالجيش المملوكي في 23 كانون الأول / ديسمبر 1299 م ، إلى الشرق من حمص . وكان ذلك